الشيخ محمد هادي معرفة
84
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
بمقام الخطاب الإلهيّ ، لاستحالته فيه . واختير لفظ الأرض لأمرين ، أمّا أوّلًا فلأنّ المدحُوَّة والمبسوطة والمهاد وغير ذلك ممّا يستعمل في الأرض صفات زائدة تابعة للفظ الأرض . وأمّا ثانيا فلأنّ لفظ الأرض أخفُّ وأكثرُ دورا واستعمالًا ممّا ذكرناه ، فلهذا وجب إيثاره على غيره من أسمائها . واختير لفظ « ابلعي » ولم يقل « ابتلعي » لأمرين ، أمّا أوّلًا فلأنّ « ابلعي » أخفُّ وزنا وأسهل على اللسان من « ابتلعي » . وأمّا ثاينا فلأنّ في الابتلاع نوع اعتمال في الفعل وتصرّف فيه يؤذن بالمشقّة ، بخلاف قوله « ابلعي » فإنّه دالّ على السهولة ، فيكون فيه دلالةٌ على باهر القدرة ، حيث أُمرت بالبلع لهذا الأمر الهائل من الماء ، بحيثُ لا يمكن تصوّره على أسهل حالة . وإنّما اختير إفرادُ الماء دون جمعه لأمرين ، أمّا أوّلًا فلأنّ في الجمع نوعَ تكثير ، فلا يليق ذكره بمقام الكبرياء وإظهار العظمة . وأمّا ثانيا فلأنّ في الإفراد نوعَ تحقير وذلّةٍ ، وهو لائق بمقام القهر والاستيلاء في الملكة ، وهذا هو الوجه في إفراد السماء والأرض ، وإنّما ذُكر مفعولُ « ابلعي » لأنّه لو اقتُصر على ذكر البلع لدخل فيه ما ليس مرادا من بلع الجبال والبحار ، وأنواع الأشجار والسفينة ومن فيها ، نظرا إلى عموم الأمر الذي لا يخالف ولا يُردّ عن مجراه ، لأنّ المقام مقام عظمة وكبرياء ، وقول ابنعباس في قوله تعالى : « قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ » « 1 » إنّه لو لم يقل « وسلاما » لم ينتفع بالنار ، لشدّة بردها ، يشيرُ به إلى ما ذكرناه من مَضا الأمر ونفوذه . وإنّما لم يُظهر ذكر المسبّب عند ذكر سببه - فيقول : « يا أَرْضُ ابْلَعِي » فبلعت « وَيا سَماءُ أَقْلِعِي » فأقلعت - لأمرين : أمّا أوّلًا فلما في ذلك من الاختصار العجيب والإيجاز البليغ ، فاكتفى بذكر السبب عن ذكر سببه ، وهذا كثيرٌ في القرآن كقوله تعالى : « فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ » « 2 » لأنّ المعنى فضرب فانفجرت . وأمّا ثانيا فلما فيه من الإشارة إلى باهر القدرة في سُرعة الإجابة ، ووقوع الامتثال ، وحصول المأمور من غير مخالفة
--> ( 1 ) - الأنبياء 69 : 21 . ( 2 ) - البقرة 60 : 2 .